محمد هادي معرفة

88

التفسير الأثري الجامع

حجّوا ، فجاؤوا ، أو عادوا من سفرهم ، لم يدخلوا البيوت أو الخيم من قبل أبوابها . فجاء رجل منهم فدخل من قبل الباب ، فكأنّه عير بذلك . فنزلت الآية دفعا لتوهّم العار ورفعا لسنّة جاهليّة كانت بدعة لا مبرّر لها « 1 » . وسواء كانت هذه عادتهم في السفر بصفة عامّة ، أو في الحجّ بصفة خاصّة ، وهو الأظهر في السياق ، فقد كانوا يعتقدون أنّ هذا هو البرّ - أي الخير أو الإيمان - فجاء القرآن ليبطل هذا التصوّر الفارغ ، وهذا العمل المتكلّف فيه الّذي لا يستند إلى حجّة ، ولا يؤدّي إلى شيء ! وجاء ليصحّح التصوّر الإيماني للبرّ . فالبرّ هو التقوى ، هو الشعور باللّه ورقابته في السرّ والعلن ، وليس شكليّة من الشكليّات الّتي لا ترمز إلى شيء من حقيقة الإيمان . ولا تعني أكثر من عادة جاهليّة فارغة ! كذلك أمرهم بأن يأتوا البيوت من أبوابها ، وكرّر الإشارة إلى التقوى ، بوصفها سبيل الفلاح : وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . وبهذا ربط القلوب بحقيقة إيمانيّة أصيلة - هي التقوى - وربط هذه الحقيقة برجاء الفلاح المطلق في الدنيا والآخرة ، وأبطل كلّ عادة جاهليّة فارغة لا طائل تحتها . ووجّه المؤمنين إلى إدراك نعمة اللّه عليهم ، بأن هداهم إلى طريق المكرمات وأجزل لهم المثوبات . فكان تحذيرا من ردى وتحضيضا إلى هدى جميعا ، كلّ ذلك في آية واحدة قصيرة . وأتوا الأمور من وجوهها والآية في رسالتها العامّة تهدف إلى تثبيت أصل إيمانيّ ، ينبغي أن يكون مسيطرا على حياة المسلمين في كافّة أنحائها الفرديّة والاجتماعيّة ، فلا يدخلوا في أمر ولا يخرجوا منه إلّا عن طريقه المستقيم المألوف ، ويدعوا منعرجات السبل ، الأمر الّذي يضمن لهم النجاح والفلاح ، إن دنيا أو آخرة ، وعلى ذمّة الخلود . وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها من طرقها المألوفة المستقيمة . وَاتَّقُوا اللَّهَ واحذروا منحدرات

--> ( 1 ) البخاري 2 : 205 ، و 5 : 156 - 157 ، و 7 : 234 ؛ مسلم 8 : 243 ؛ الحاكم 1 : 483 ؛ سنن سعيد 2 : 707 / 283 ؛ أسباب النزول للواحدي : 28 - 29 ؛ الطبري 2 : 255 / 2518 ؛ الدرّ 1 : 493 ، و 7 : 568 ؛ ابن أبي حاتم 1 : 323 / 1709 ؛ الثعلبي 2 : 85 - 86 ؛ عبد الرزّاق 1 : 313 - 314 / 194 - 195 .